40 مجلساً في صحبة الحبيب صلى الله عليه و سلم
سيرته – أخلاقه – شمائله
د.عادل بن علي الشدي
أستاذ التفسير وعلوم القرآن المشارك بجامعة الملك سعود
المجْلِسُ الأَرْبَعُونَ
بسم الله الرحمن الرحيم
نَبِيُّ الرَّحْمَة(3) رَحْمَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم بالأطْفَالِ :
لَقَدْ كَان النبيُّ صلى الله عليه و سلم أَرْحَم النَّاسِ بالأطْفَالِ، فَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَبَّل رسولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم الحسنَ بْنَ عليٍّ، وَعِنْدَه الأقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التمِيمِيِّ جَالِسًا, فَقَالَ الأقْرَعُ : إِنَّ لِي عشرةً مِنَ الوَلدِ مَا قَبَّلتُ مِنْهُم أَحَدًا . فنظرَ إليْهِ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم ثُمَّ قَالَ: "مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ" [متفق عليه] .
وَعَنْ عَائِشةَ رَضِي اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الأعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه و سلم فَقَالُوا: أتُقَبِّلُونَ صِبيانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعم. قَالُوا: لكنَّا – واللهِ – مَا نُقبِّل. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم : "أَوَ أَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ" [متَّفَقٌ عليه].
فَفِي هَذَيْنِ الحدِيثَيْنِ بَيانُ عَظيمِ شفَقَةِ النبيِّ صلى الله عليه و سلم بالأَطْفَالِ، وَأَنَّ تَقْبِيلَ الصبيِّ مِنْ مَظَاهِرِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقةِ، وَفِي قَوْلِه صلى الله عليه و سلم : "مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الجزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ، فَمَنْ حَرمَ الأطْفالَ مِنَ الرَّحْمةِ وَالشَّفَقةِ حَرَمهُ اللهُ تَعالَى مِنْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ .
وَمِنْ صُوَرِ رَحْمَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه و سلم بالأطْفَالِ أَنَّه صلى الله عليه و سلم دَخَلَ عَلى ابْنِه إبْرَاهِيمَ, وَهُوَ يجُودُ بنفْسِه – أَيْ فِي سِيَاقِ الموْتِ – فَجعلَتْ عَيْنا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم تذْرِفَانِ وَقَالَ: "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَإِنَّ القَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لمحْزُونُونَ" [رواه البخاري].
فأَعْطَى النبيُّ صلى الله عليه و سلم ربَّه حَقَّ العبودِيَّةِ فِي الصَّبْرِ وَالرِّضَا والتَّسْلِيم لأمْرِ اللهِ تَعَالى . وأَعْطَى ابْنَه حقَّه في الرَّحْمَةِ والشَّفَقةِ وَذَرْفِ الدَّمْعِ والحزْنِ عَلَى فِرَاقِه وَهَذَا مِنْ أَكْمَلِ صُوَرِ العبُودِيَّةِ .
وَلمّا ماتَ ابْنُ ابْنَتِه فَاضَتْ عَينَاهُ صلى الله عليه و سلم ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: مَا هَذَا يَا رسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "إِنَّهَا رَحْمَةٌ, جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاء" [متفق عليه] .
وَمِنْ صُورِ رَحْمةِ النبيِّ صلى الله عليه و سلم بالأطْفَالِ أَنَّه صلى الله عليه و سلم زَارَ غُلامًا يَهُوديًّا مَريضًا كَان يخدُمُه. فَقَالَ له: "قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا ا للهُ" فَنَظَرَ الغُلامُ إِلَى أَبِيه. فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ. فَقَالَها الغُلَامُ. فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه و سلم : "الحمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ" [رواه البخاري].
وَمِنْ ذلكَ أنَّ غُلامًا لأنسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه اسمُه عُمَيْر، كَانَ لَهُ نُغْر – وَهُوَ الطَّائرِ الصَّغِير – يلْعَبُ بِه, فَماتَ النُّغْرُ, فَحَزِنَ عَلَيْهِ الصبيُّ, فَذَهبَ إليهِ نبيُّ الرَّحْمةِ صلى الله عليه و سلم يَزُورهُ لِيُواسِيَه وَيُمازِحَهُ, فَقَالَ لَه: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ" [متفق عليه].
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادِ عَنْ أَبيهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم فِي إِحْدَى صَلَاتِي العِشَاءِ، وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا, فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم فوضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاةِ, فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرانِيِّ صَلاتِه سَجْدَةً أَطَالَها, فَرَفَعَ شَدَّادُ رأسَهُ, فَإِذَا الصبيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللِه صلى الله عليه و سلم , فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم الصَّلاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رسولَ اللهِ! إنَّك سجدْتَ بين ظهرانِيِّ صلاتِكَ سَجْدةً أطلتها, حَتَّى ظَنَنَّا أنَّه قَدْ حدث أمرٌ، أو أَنَّه يُوحَى إِلَيْكَ. قَالَ: "كُلُّ ذلكَ لَمْ يكُنْ, ولكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي, فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَه" [رواه النسائي وصححه الألباني].
وَمِنْ رَحْمَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم بالأطْفَالِ أَنَّهُ كَانَ يَزُورُ الأنْصَارَ، وَيُسلِّمُ عَلَى صِبيَانِهِمْ, وَيَمْسَحُ رُؤوسَهُمْ" [رواه النسائي وصححه الألباني].
وَمِنْ رَحمته صلى الله عليه و سلم بالصِّغَارِ أنَّه كَانَ يُؤتَى بالصِّبْيَانِ فَيبرّك عَلَيْهِم ويُحَنّكُهم. [رواه مسلم].
وَمَعْنَى يُبرّكُ عَلَيْهِمْ: يَمسَحُهم بيدِه الشَّرِيفَةِ ويدْعُو لَهمْ.
وَكَانَ صلى الله عليه و سلم يُصَلِّي وَهُو حَامِلٌ أمامةَ بنتَ زَيْنَبَ, فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَها, وَإِذَا قَامَ حَملها .
فَصلواتُ رَبِّي وسلامُه عَلَى هَذَا النبيِّ الكريمِ الرحيمِ .