الأحد، 29 ديسمبر 2013

(¯`*•أهـل الشام•*´¯) وماذا بعد الظلم ؟ (11) نهاية المختار بن أبي عبيد على يد مصعب بن الزُّبَير

 

 

 

 

وماذا بعد الظلم ؟

أحداث تاريخية هامة وقصص واقعية عن نهاية الظلم

 

 

أخرجها و اعتنى بها :

عبد الحميد بن عبد الرحمن السحيباني

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

(11) نهاية المختار بن أبي عبيد على يد مصعب بن الزُّبَير

 


كان عبد الله بن الزبير قد عَزَلَ في سنة 67هـ عن نيابة البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ المعروف بالقباع، و ولَّاها لأخيه مصعب بن الزُّبير، ليكون ردا وقرنا وكفؤا للمختار بن أبي عبيد([1])؛ فلمَّا قدم مصعب البصرةَ دخلها متلثِّماً فيمم المنبر، فلما صعده قال الناس: أمير أمير . فلما كشف اللِّثام عرفه الناس فأقبلوا إليه ، و جاء القباع فجلس تحته بدرجة، فلما اجتمع الناس قام مصعب خطيباً فاستفتح القصص حتى بلغ : }إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا{ [القصص: 4]، وأشار بيده نحو الشَّام أو الكوفة ، ثم قال : }وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ{ [القصص: 5] ، وأشار إلى الحجاز وقال: يا أهل البصرة، إنكم تلقبون أمراءكم، وقد سميت نفسي الجزار. فاجتمع عليه الناس وفرحوا به، ولما انهزم أهل الكوفة حين خرجوا المختار فقهرهم وقتل منهم من قتل كان لا ينهزم أحد من أهلها إلا قصد البصرة ، ثم خرجه المختار ليلتقي بالذي جاء بالرؤوس و البشارة .

اغتنم من بقي بالكوفة من أعداء المختار غيبتَه فذهبوا إلى البصرة؛ فراراً من المختار؛ لقلَّة دينه وكفره، ودعواه أنه يأتيه الوحي، وأنه قدم الموالي على الأشراف، واتَّفق أنَّ ابنَ الأشتر حين قتل ابن زياد و استقل بتلك النواحي، فأحرز بلادا وأقاليم و رساتيق لنفسه ، و استهان بالمختار، فطمع مصعب فيه وبعث محمد بن الأشعث بن قيس على البريد إلى المهلب بن أبي صفرة، و هو نائبهم على خراسان ، فقدم به أهل البصرة وتقوَّى به مصعب ، فركب في أهل البصرة ومن اتبعهم من أهل الكوفة فركبوا في البحر قاصدين الكوفة .

و قدم مصعب بين يديه عباد بن الحصين ، و جعل على ميمنته عمر بن عبيد الله بن معمر، وعلى الميسرة المهلب بن أبي صفرة ، و رتب الأمراء على رايتها وقبائلها، كمالك بن مسمع ، والأحنف بن قيس ، و زياد بن عمر، وقيس بن الهيثم وغيرهم ، وخرج المختار بعسكره ، فنـزل المدار وقد جعل على مقدمته أبا كامل الشَّاكري، وعلى ميمنته عبد الله بن كامل ، وعلى ميسرته عبد الله بن وهب الجشمي ، وعلى الخيل وزير بن عبد الله السلولي ، و على الموالي أبا عمرة صاحب شرطته .

ثم خطب الناس وحثَّهم على الخروج، وبعث بين يديه الجيوش، وركب هو وخلق من أصحابه وهو يبشِّرهم بالنَّصر، فلما انتهى مصعب إلى قريب الكوفة لقيتهم الكتائب المختارية فحملت عليهم الفرسان الزُّبيريَّة، فما لبثت المختارية إلا يسيرا حتى هربوا على حمية، وقد قتل منهم جماعة من الأمراء، وخلق من القراء، وطائفة كثيرة من الشيعة الأغبياء، ثم انتهت الهزيمة إلى المختار .

وقال الواقديُّ : لما انتهت مقدمة المختار إليه جاء مصعب فقطع الدجلة إلى الكوفة، وقد حصَّن المختار القصرَ واستعمل عليه عبدَ الله بن شداد، وخرج المختار بمن بقي معه فنـزل حروراء ، فلما قرب جيش مصعب منه جهز إلى كل قبيلة كردوسا([2])، فبعث إلى بكر بن وائل سعيد بن منقذ ، وإلى عبد القيس مالك بن منذر، وإلى العالية عبد الله بن جعدة ، و إلى الأزد مسافر بن سعيد، وإلى بني تميم سليم بن يزيد الكندي، وإلى محمد بن الأشعث السائب بن مالك .

ووقف المختار في بقية أصحابه فاقتتلوا قتالا شديدا إلى الليل، فقتل أعيان أصحاب المختار وقتل تلك الليلة محمد بن الأشعث و عمير بن علي بن أبي طالب، وتفرق عن المختار باقي أصحابه، فقيل له: القصر القصر . فقال: والله ما خرجت منه وأنا أريد أن أعود إليه؛ ولكن هذا حكمُ الله. ثم ساروا إلى القصر فدخل، وجاءه مصعب ففرَّق القبائل في نواحي الكوفة ، واقتسموا المحال ، وخلصوا إلى القصر، وقد منعوا المختار المادة والماء ، وكان المختار يخرج فيقاتلهم ثم يعود إلى القصر، ولما اشتد عليه الحصار قال لأصحابه: إنَّ الحصارَ لا يزيدنا إلا ضعفا، فانزلوا بنا حتى نقاتل حتى الليل حتى نموت كراما. فوهنوا فقال: أما فوالله لا أعطي بيدي. ثم اغتسل وتَطَيَّبَ وتَحَنَّطَ وخرج فقاتل هو من معه حتى قتلوا .

وقيل: بل أشار عليه جماعة من أساورته بأن يدخل القصر دار إمارته، فدخله وهو ملوم مذموم، وعن قريب ينفذ فيه القدر المحتوم، فحاصره مصعب فيه وجميع أصحابه حتى أصابهم من جهد العطش ما الله به عليم ، وضيَّق عليهم المسالك والمقاصد، وانسدت عليهم أبواب الحيل، وليس فيهم رجل رشيد ولا حليم، ثم جعل المختار يجيل فكرته ويكرر رويته في الأمر الذي قد حل به، واستشار من عنده في هذا السبب السيئ الذي قد اتصل سببه بسببه من الموالي والعبيد، ولسان القدر و الشرع يناديه : }قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ{ [سبأ: 49]، ثم قوى عزمه قوة الشجاعة المركبة فيه، على أن أخرجته من بين مَنْ كان يُحالفه ويواليه، ورأى أن يموت على فرسه؛ حتى يكون عليها انقضاء آخر نفسه، فنـزل حميةً وغضباً وشجاعة وكلباً، وهو مع ذلك لا يجد مناصاً ولا مفرًّا ولا مهرباً، وليس معه من أصحابه سوى تسعة عشر، ولعله إن كان قد استمر على ما عاش عليه أن لا يفارقه التِّسْعَة عشر الموكَّلون بسقر ، ولما خرج من القصر سأل أن يخلي سبيله فيذهب في أرض الله فقالوا له : إلا على حكم الأمير .

والمقصود أنَّه لما خرج من القصر تقدَّم إليه رجلان شقيقان أخوان - وهما طرفة و طراف ابنا عبد الله بن دجاجة من بني حنيفة - فقتلاه بمكان الزياتين من الكوفة واحتزَّا رأسَه وأتيا به إلى مصعب بن الزُّبَيْر، وقد دخل قصر الإمارة فوضع بين يديه، فلما وضع رأس المختار بين يدي مصعب أمر لهما بثلاثين ألفا .

و قد قتل مصعب جماعة من المختارية ، و أسر منهم خمسمائة أسير، فضرب أعناقهم عن آخرهم في يوم واحد، وقد قتل من أصحاب مصعب في الوقعة محمد بن الأشعث بن قيس، وأمر مصعب بكفِّ المختار فقُطعت و سُمِّرت إلى جانب المسجد، فلم يزل هنالك حتى قدم الحجاج فسأل عنها ، فقيل له: هي كفُّ المختار . فأمر بها فرفعت وانتزعت من هنالك ؛ لأنَّ المختار كان من قبيلة الحجَّاج ، و المختار هو الكذَّاب ، و المبير الحجاج .

ولهذا أخذ الحجَّاج بثأره من ابن الزُّبير فقتله وصلبه شهوراً، وقد سأل مصعب أمَّ ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار عنه فقالت : ما عسى أن أقول فيه إلا ما تقولون أنتم فيه. فتركها واستدعى بزوجته الأخرى - وهي عمرة بنت النعمان بن بشير - فقال لها: ما تقولين فيه؟ فقالت: رحمه الله؛ لقد كان عبداً من عباد الله الصَّالحين . فسجنها وكتب إلى أخيه: إنها تقول: إنه نبيّ . فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها ، فأخرجها إلى ظاهر البلد فضربت ضربات حتى ماتت، فقال في ذلك عمر بن أبي رمثة المخزومي :

إن من أعجب العجائب عندي

 

 

قتل بيضاء حرة عطبول([3])

قتلت هكذا على غير جرم

 

 

إن لله درها من قتيل

كتب القتل والقتال علينا

 

 

وعلى الغانيات جَرُّ الذُّيول




وقال أبو مخنف : حدَّثني محمد بن يوسف أنَّ مصعباً لقي عبدَ الله بن عمر بن الخطَّاب فسلَّم عليه فقال ابن عمر: من أنت ؟ فقال : أنا ابن أخيك مصعب بن الزُّبير . فقال له ابن عمر: نعم ؛ أنت القائل : سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة عش ما استطعت. فقال له مصعب : إنهم كانوا كفرة سحرة. فقال ابن عمر: والله لو قتلت عدلهم غنما من تراث أبيك لكان ذلك سرفا .

ترجمة المختار بن أبي عبيد الثَّقَفيّ :

هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو بن عوف بن عفرة بن عميرة بن عوف بن ثقيف الثَّقَفي ، أسلم أبوه في حياة النبي صلى الله عليه  و سلم ولم يره، فلهذا لم يذكره أكثر الناس في الصحابة؛ وإنَّما ذكره ابن الأثير في الغابة ، و قد كان عمر بعثه في جيش كثيف في قتال الفرس سنة ثلاث عشرة، فقتل يومئذ شهيداً ، و قتل معه نحوٌ من أربعة آلاف من المسلمين، وعرف ذلك الجسر به ؛ و هو جسر على دجلة ، فيقال له إلى اليوم جسر أبي عبيد، وكان له من الولد صفية بنت أبي عبيد ، و كانت من الصالحات العابدات؛ وهي زوجة عبد الله بن عمر بن الخطاب ، و كان عبد الله لها مكرماً ومحبًّا في حياته ؛ و أما أخوها المختار هذا فإنَّه كان أولاً ناصبيًّا يبغض عليًّا بغضاً شديداً ، وكان عند عمه في المدائن، وكان عمُّه نائبَها، فلما دخلها الحسن بن عليّ خَذَلَه أهلُ العراق وهو سائر إلى الشام لقتال معاوية بعد مقتل أبيه ، فلما أحسَّ الحسن منهم بالغدر فَرَّ منهم إلى المدائن في جيش قليل ، فقال المختار لعمِّه: لو أخذت الحسن فبعثتَه إلى معاوية لاتَّخذتَ عندَه اليدَ البيضاءَ أبداً . فقال له عمه : بئس ما تأمرني به يا ابن أخي .

فما زالت الشيعة تبغضه حتى كان من أمر مسلم بن عقيل بن أبي طالب ما كان ، وكان المختار من الأمراء بالكوفة، فجعل يقول: أما لأنصرنَّه . فبلغ ابن زياد ذلك فحبسه بعد ضربه مائة جلدة، فأرسل ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يتشفَّع فيه، فأرسل يزيد إلى ابن زياد فأطلقه وسيَّره إلى الحجاز في عباءة، فصار إلى ابن الزبير بمكة فقاتل معه حين حصره أهل الشام قتالاً شديداً.

ثم بلغ المختار ما قال أهل العراق فيه من التخبيط([4])، فسار إليهم وترك ابن الزبير، ويقال أنه سأل ابنَ الزُّبير أن يكتب له كتاباً إلى ابن مطيع نائب الكوفة ففعل ، فسار إليها ، و كان يُظْهر مدحَ ابن الزُّبير في العلانية ويسبُّه في السِّرِّ، ويمدح محمد بن الحنفية و يدعو إليه ، و ما زال حتى استحوذ على الكوفة بطريق التَّشَيُّع وإظهار الأخذ بأثر الحسين .

وبسبب ذلك التفَّت عليه جماعات كثيرة من الشيعة وأخرج عامل ابن الزبير منها، واستقر ملك المختار بها، ثم كتب إلى ابن الزبير يعتذر إليه ويخبره أن ابن مطيع كان مداهنا لبني أمية، وقد خرج من الكوفة ، و أنا ومن بها في طاعتك . فصدَّقه ابن الزبير لأنَّه كان يدعو إليه على المنبر بوم الجمعة على رؤوس الناس ويُظْهرُ طاعتَه ، ثم شرع في تتبُّع قتلة الحسين ومن شهد الوقعة بكربلاء من ناحية ابن زياد، فقتل منهم خلقاً كثيراً وظفر برؤوس كبار منهم - كعمر بن سعد بن أبي وقَّاص أمير الجيش - الذين قتلوا الحسين، وشمر بن ذي الجوشن أمير الألف الذين ولُّوا قتل الحسين، وسنان بن أبي أنس ، و خولى بن يزيد الأصبحي ، و خلق غير هؤلاء، وما زال حتى بعث سيف نقمته إبراهيم بن الأشتر في عشرين ألفا إلى ابن زياد، وكان ابن زياد حين التقاء في جيش أعظم من جيشه– في أضعاف مضاعفة- كانوا ثمانين ألفا، وقيل ستين ألفا، فقتل ابنُ الأشتر ابنَ زياد وكسر جيشه واحتاز ما في معسكره ، ثم بعث برأس ابن زياد ورؤوس أصحابه مع البشارة إلى المختار، ففرح بذلك فرحاً شديداً ، ثم إنَّ المختارَ بَعَثَ برأس ابن زياد ورأس حصين بن نمير ومن معهما إلى ابن الزبير بكة، فأمر ابن الزُّبير بها فنصبت على عقبة الحجون .

وقد كانوا نصبوها بالمدينة ، و طابت نفس المختار بالملك، وظن أنه لم يبق له عدو ولا منازع؛ فلما تبيَّن ابنُ الزبير خداعَه ومكرَه وسوءَ مَذْهَبه بعث أخاه مصعباً أميراً على العراق، فسار إلى البصرة ، فجمع العساكر، فما تَمَّ سرور المختار حتى سار إليه مصعب بن الزُّبير من البصرة في جيش هائل فقتله و احتزَّ رأسَه ، وأمر بصَلْب كفه على باب المسجد، وبعث مصعب برأس المختار مع رجل من الشُّرط على البريد إلى أخيه عبد الله بن الزُّبَير، فوصل مكة مع رجل من الشرط على البريد ، إلى أخيه عبد الله بن الزبير ، فوصل مكة بعد العشاء فوجد عبد الله يتنفل ، فما زال يصلي حتى أسحر ولم يلتفت إلى البريد الذي جاء بالرأس، فلما كان قريب الفجر قال : ما جاء بك ؟ فألقى إليه الكتاب فقرأ ، فقال : يا أمير المؤمنين معي الرأس ، فقال : ألقه على باب المسجد. فألقاه ثم جاء فقال: جائزتي يا أمير المؤمنين. فقال: جائزتك الرأس الذي جئت به تأخذه معك إلى العراق .

ثم زالت دولة المختار كأن لم تكن، وكذلك سائر الدول، و فرح المسلمون بزوالها؛ وذلك لأنَّ الرجلَ لم يكن في نفسه صادقاً؛ بل كان كاذباً يزعم أنَّ الوحيَ يأتيه على يد جبريل. قال الإمام أحمد: حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا عيسى القارئ أبو عمير بن السدي عن رفاعة القباني قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة و قال: لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك. قال: فأردتُ أن أضرب عنقَه. قال: فذكرت حديثاً حدَّثَنيه أخي عمر بن الحمق، قال: قال رسول الله صلى الله عليه  و سلم : «أيُّما مؤمن أمَّن مؤمناً على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء» . وقال الإمام أحمد : حدَّثنا يحيى بن سعيد القطَّان عن حمَّاد بن سلمة، حدَّثني عبدالله بن عمير عن رفاعة بن شداد ، قال: كنت أقوم على رأس المختار، فلما عَرَفتُ كذبَه هممتُ أن أسلَّ سيفي فأضرب عنقَه، فذكرت حديثاً حدَّثناه عمر بن الحمق؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه  و سلم يقول: «من أمن رجلا على نفسه فقتله أعطي لواء غدر يوم القيامة» . ورواه النسائي وابن ماجه من غير وجه عن عبد الملك بن عمير، وفي لفظ لهما: «من أمَّن رجلاً على دم فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً». وفي سند هذا الحديث اختلاف. وقد قيل لابن عمر: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه، فقال: صدق؛ قال تعالى: }وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ{ [الأنعام: 121].

وروى ابنُ أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني عنده، وكان يتعاهد مبيتي باللَّيل، قال : فقال لي: اخرج فحدِّث النَّاس. قال: فخرجتُ، فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي ؟ فقلت : الوحي وحيان؛ قال الله تعالى: }بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ{ [يوسف: 3] . و قال تعالى : }وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا{ [الأنعام: 112] .

قال: فهمُّوا أن يأخذوني ، فقلتُ : ما لكم وذاك! إني مفتيكم وضيفكم. فتركوني ؛ وإنَّما أراد عكرمة أن يعرض بالمختار وكذَّبه في ادِّعائه أنَّ الوحيَ يَنـزل عليه .

وروى الطَّبرانيُّ من طريق أنيسة بنت زيد بن الأرقم أنَّ أباها دخل على المختار بن أبي عبيد فقال له: يا أبا عامر لو شفت رأي جبريل وميكائيل. فقال له زيد: خسرت وتعست؛ أنت أهون على الله من ذلك، كذاب مفتر على الله ورسوله. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا ابن إسحاق بن يوسف ثنا ابن عوف الصِّدِّيق النَّاجي أنَّ الحجاجَ بن يوسف دخل على أسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق بعدما قتل ابنها عبد الله بن الزبير فقال : إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن الله أذاقه من عذاب أليم ، وفعل به وفعل . فقالت له : كذبت؛ كان بارًّا بالوالدين، صوَّاماً قوَّاماً ، والله لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه  و سلم أنَّه «سيخرج من ثقيف كذَّابان؛ الآخرُ منهما شرٌّ من الأَوَّل، وهو مبيرٌ». هكذا رواه أحمد بهذا السَّنَد واللَّفظ، وقد أخرجه مسلمٌ في صحيحه في كتاب الفضائل عن عقبة بن مكرم العمي البصريِّ عن يعقوب بن إسحاق الحضرميِّ عن الأسود بن شيبان عن أبي نوفل عن أبي عقرب، واسمُه معاوية بن سلم، عن أسماء بنت أبي بكر؛ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه  و سلم قال: «إن في ثقيف كذابا و مبيرا».

وفي الحديث قصة طويلة في مقتل الحجَّاج ولدها عبد الله في سنة ثلاث وسبعين للهجرة، وقد ذكر البيهقيُّ هذا الحديث في دلائل النُّبوَّة، وقد ذكر العلماءُ أنَّ الكذَّابَ هو المختار بن أبي عبيد، وكان يُظْهر التَّشَيُّعَ ويُبْطن الكهانة وأسرَّ إلى أخصَّائه أنَّه يوحَى إليه؛ ولكن ما أدري هل كان يدَّعي النُّبوَّة أم لا، وكان وقد وضع له كرسي يعظم ويحف به الرِّجال، ويستر بالحرير، ويحمل على البغال، وكان يُضاهي به تابوت بني إسرائيل المذكور في القرآن، ولا شكَّ أنَّه كان ضالًّا مضلًّا أراح الله المسلمين منه بعدما انتقم به من قوم آخرين من الظالمين؛ كما قال تعالى: }وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{ [الأنعام: 129] . وأمَّا المبير فهو القتَّال ؛ و هو الحجَّاج بن يوسف الثَّقَفيّ نائب العراق لعبد الملك بن مروان الذي انتزع العراقَ من يد مصعب بن

الزُّبَير .

و ذكر الواقديُّ أنَّ المختارَ لم يزل مظهراً موافقة ابن الزُّبير حتى قدم مصعب إلى البصرة في أوَّل سنة سبع وستِّين وأظهر مخالفتَه ، فسار إليه مصعب فقاتله ، و كان المختار في نحو من عشرين ألفاً ، وقد حمل عليه المختار مرَّةً فهزمه ؛ و لكن لم يَثْبت جيشُ المختار ، حتى جعلوا ينصرفون إلى مصعب و يدعون المختار، وينقمون عليه ما هو فيه من الكهانة والكذب ؛ فلمَّا رأى المختار ذلك انصرف إلى قصر الإمارة ، فحاصره مصعب فيه أربعة أشهر، ثم قتله في رابع عشر رمضان سنة سبع و ستين ، وله من العمر سبع وستون سنة فيما قيل .

 



([1]) ستأتي ترجمته.

([2]) الكردوس: السيد.

([3]) العطبول: المرأة الفتية الجميلة الممثلة الطويلة العنق.

([4]) التخبيط: الفساد.